مولد الإمام الرضا عَلَيْهِ السَّلامْ


خطبة الحكيم الإلهي الميرزا عبدالله الحائري الإحقاقي 

١١ ذو القعدة الحرام ١٤٤٦هـ

٩ مايو ٢٠٢٥م


مولد الإمام الرضا عَلَيْهِ السَّلامْ


بسم الله الرحمن الرحيم

السَّلامُ عَلى أَئِمَّةِ الهُدى وَمَصابِيحِ الدُجى وَأعلامِ التُّقى وَذَوي النَّهِى وَأَولي الحِجى وَكَهِفِ الْوَرِى وَوَرَثَةِ الأَنبياءِ وَالمَثَلِ الأعلى وَالدَّعوَةِ الحُسِنى وَحُجَجِ اللهِ عَلى أهلِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَالأُولى وَرَحِمَةَ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ....

أيها المكرمون وأيتها المكرمات، مشائخنا العظام، شبابنا الأعزاء، ضيوفنا المحترمون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يوافق الحادي عشر من شهر ذي القعدة، ذكرى ولادة الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام فهو ثمرة من ثمرات رسول الله صلى الله عليه وآله، وفرع مشرق من فروعه.

أهنئكم بمولد شمس الشموس وأنيس النفوس الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، السلام عليك يا علي بن موسى الرضا المرتضى.

الحديث المعروف بحديث سلسلة الذهب، هو حديثٌ قدسيٌ شريف، رواه الإمام عليُّ بن موسى الرضا عليه السلام، عن آبائه الطاهرين عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن جبرائيل، عن الله عز وجلّ.

ولعلَ حديثُ سلسلة الذهب، هو أشهر الأحاديث المروية عن الإمام الرضا عليه السلام، لأنها رواية رواها العديد من المصادر الشيعية والسنّية، فهي رواية متواترة، ولا يمكن إنكارها بوجه من الوجوه، ولذلك اخترت في هذا اليوم المبارك، أن أقرأ لكم هذا الحديث الشريف، الذي فيه مسائل أساسيّة، وهامّة جداً، سأذكُرُ بعضَها إن شاء الله.

حديثُ سلسلة الذهب حديث في باب التوحيد وشروطه، وإنما وُصف الحديث بسلسلة الذهب، لأنَّ سلسلة رواته، كلّهم عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، ويصل إلى النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم.

لَمَّا وَافَى أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام نَيْسَابُورَ، وَ أَرَادَ أَنْ يَرْحَلَ مِنْهَا إِلَى الْمَأْمُونِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ تَرْحَلُ عَنَا وَ لَا تُحَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ فَنَسْتَفِيدَهُ مِنْكَ؟! وَ قَدْ كَانَ قَعَدَ فِي الْعَمَّارِيَّةِ فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ وَ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولَ:

سَمِعْتُ أَبِيَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِيَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتَ أبِيَ عَليَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِين عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللّٰه عليه و آله يَقْولُ:

سَمِعْتُ جَبْرَائِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي قَمَنْ دَخَلَ حِصَنِي أمِنَ مِنْ عَذْابِي فَلَمَّا مَرَّتِ الرَّاحِلَةُ نَادَانَا بِشُرُوطِهَا، وَ أَنَا مِنْ شُرُوطِهَا"

وهذا الحديثُ الشريفُ المتواتر، فيه نقاطٌ مهمة جداً، يجب أن أُشيرَ إليها.

أعزائي لاشك أنّ عقيدةَ التوحيد، هي أهمُّ مبدأٍ أكّدَ عليه القرآنُ الكريم، بحيث أنَّ مبادئَ تعاليم القرآن، وجوهرَ كلِ الأفكار، المطروحة فيه، مبنيّةٌ على التوحيد، وبدون فكرِ التوحيد، لا يمكن اعتبارِ عَقيدةٍ إسلامية وقرآنية، تبقى تعاليمُها مجرّدُ جلدٍ بلا مضمون.

ولذلك يمكن القول إنّ الإمام الرضا عليه السلام بإدارته، في مواجهة السّريّة، مع الحكومة العباسيّة، كجبهتي التوحيد والشرك.

أشار عليه السلام إلى نقطة، لا يمكن إنكارُها في بداية الحديث، وقد قَبَلِهُ المجتمعُ الإسلامي كلُّه، وفقاً لهذا الحديث.

فإنَّ أصلَ كلِّ الانحرافات والاختلافات، الناجمة عن خروج الأمّة الإسلاميّة، عن الاصل الاساسي في الإسلام وهو التوحيد.

وفي الواقع فإنّ الاعتراف بولاية أهل البيت عليهم السلام، هو شرطٌ للتوحيد الخالص. 

نقرأ فى الزيارة الجامعةِ الكبيرة، "وبِمُوالاتكم تَمَّت الكلمة" وقال الشيخ الأوحد في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة.

وقال المرحوم المجلسي رحمه الله في شرح الروضة: "وبِمُوالاتكم تَمَّت الكلمة" أي كلمة التوحيد، كما قال الله تعالى : "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ حِصْنِي، فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي" فلما نقل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام الخبر قال: "ولكن بشروطها وأنا من شروطها".

وهذه نقطة أساسية، أنّ التوحيد والدّين كلُّه يدورُ حولَ هذا المحور يعني ولاية أهل البيت عَلَيْهِ السَّلامْ.

ومن جانِب آخر، كما نعلم فإنّ عصرَ حياة الإمام الرضا عليه السلام، كان عصر ظهور الطوائف والانحرافات الفكريّة والعقائدية عند الشيعة مثل الإسماعيليّة والواقفيّة و قبلُها الزيديّة.

فالإمامُ الرضا عليه السلامِ ببيان الجملة "بِشُرُوطِهَا وَأَنَا مِنْ شُرُوطِهَا"، يُحذِّرُ كافةَ الأحزاب والفِرَق التي رَفَعت رايةَ المعارضة للإمام الكاظم، والإمام الصادق، وشخصِ الإمام الرضا عليهم السلام، وحتى قبل ذلك من انحرافهم، فمن يقبَلُ ولايةَ الإمام الرضا وإمامتَه، فإنه يعتقد بإمامة جميع الأئمة من بعده، إلى الإمام صاحبِ العصرِ والزمان عجل الله فرجه الشريف.

ففي الحقيقة قد مَنَعَ الإمامُ الرضا عليه السلام الانقسام، في الإيمان بأهل البيت عليهم السلام، وبَعدَ ذلك يَبدأ اعلانُ منصبِ ولايةِ وإمامةِ أهل البيت عليهم السلام، ويصل ذروتَهُ في الزيارة الجامعة الكبيرة للإمام الهادي عليه السلام.

عم وقد عاش الإمامُ الرضا عليه السلام، في عصرٍ ازدهرت فيه الحضارةُ الإسلامية، وكثرت ترجَمةُ الكتبِ اليونانية والرومانية وغيرُها، وازداد التشكيك في الاصول والعقائد، من قِبَلِ الملاحدة وأحبارِ اليهود، وبَطارِقةِ النصارى ومجسمةِ أهلِ الحديث.

وفي تلك الأزْمَة أُتيحت له عليه السلام الفرصة، للمناظرة مع المخالفين على اختلاف مذاهبهم، فظهَر برهانُه وعلا شأنُه، ويقفُ على ذلك من اطّلع على مناظراتِه واحتجاجاتِه مع هؤلاء.

ولقد وقف الإمامُ الرضا كالسّد المنيع، في وجه الانحرافات الفكريّة والعقائديّة، التي أخذها علماءُ ذلك العصر، عن اليونانيين والرومانيين وسائرِ المناطق.

وهكذا نجا العالمَ الإسلامي من الانحرافاتِ الكبيرة، بفضل توجيهاتِ الإمامِ الرضا عليه السلام.

وقد تكررت هذه المسألة بنوع ما، في زمن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي قدس سره الشريف، وفي عهد الشيخ، اتّبَعَ أكثرُ علماء الإسلام، فلاسفة اليونان، وغيرَهم في الحكمة، ولقد وقف الشيخُ عليه الرحمة أمامهم بكل شجاعةٍ، وقال: لن أسلك في الطريق الذي سلكتموه، وقد أدّىٰ هذا إلى ثورة في الحكمة الإسلامية.

وفتح باب الحكمة الاصيلة يعني حكمة الائمة المعصومين عَلَيْهِمْ السَّلامْ.

ولكن الحُسّاد لم يستطيعوا أن يتحملوا هذا التغيير فكفّروه.

ولكن في زماننا هذا ظهرت الحقيقة ببطء، "يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِنُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ".

الكافر هو الذي يستر الشيء ويُغَطَّه، ومنه سمّي الليل كافراً، لأنه يستر الأشياء، والزارع كافراً لأنه يُغَطّي الحبَّ في الأرض، ومنهم يُغَطّون علومَ الشيخ الأوحد، فمَثَلَهم في ذلك كمثلِ مَن يريد أن يُطفِئُ شعاعَ الشمس، أو نوَر القمر، بنفخة وهذا لا سبيل إليه.

والله الحمد والشكر، دافعَ آباؤُنا وأجدادُنا، عن هذا الرجل العظيم، ووقَفوا في وجه المكذّبين.

وعلينا الاستمرار في هذا الطريق، على الرغم من المشكلات والمصائب.

في هذا اليوم الميمون، نذكر أسلافنا وأجدادنا، منهم آية الله المعظم الميرزا موسى الحائري الإحقاقي، وعمي الأكبر آية الله المعظم الميرزا علي الحائري الإحقاقي، والإمام المصلح والعبد الصالح آية الله المعظم الميرزا حسن الحائري الإحقاقي، ووالدي المظلوم وأستاذي، ومرشدي آية الله المعظم الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي، خادم الشريعة الغراء، وشهداء تشييعه، وشهداء جامع الإمام الصادق عليه السلام.

اللهم عجل لوليك الفرج، اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وسلم ديننا ودنيانا، بحق محمد وال محمد الطييين الطاهرين.

والسلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.



في مقامات العقيلة



خطبة الحكيم الإلهي الميرزا عبدالله الحائري الإحقاقي 

٨ جمادي ربيع الثاني ١٤٣٢هـ


في مقامات العقيلة


بسم الله الرحمن الرحيم

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم  {يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ} صدق الله العلي العظيم .

السلام عليك يا ابا عبدالله وعلى الارواح التي حلت بفنائك عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله اخر العهد مني لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين ورحمة الله وبركاته .


أيها المكرمون اصحاب الفضيلة اخواني الاعزاء علماءنا المحترمون مشايخنا العظام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


تسمية الأولاد والبنات والأمكنة المقدسة بأسماء الأئمة الاطهار وأولادهم الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين عمل راجح لإحياء أمر آل البيت وتعظيم لشعائر الله خاصة الأسامي الممتازة التي تذكرنا بنجوم ما زالت لامعة على مر السنين في كل عصر ومصر ، ولا شك ان السيدة الطاهرة سليلة الطالبيين وعقيلة بني هاشم عليها افضل الصلاة والتسليم على قمة هذه النجوم ، هي التي ان لم تكن درايتها في ادارة الامور يوم عاشوراء وبعده من الأحداث الأليمة لهدر دموع الشهداء في واقعة الطف كان لها دور فعال في صيانة  شعار الحسين وحفظ الاسلام والديانه ، كان لها دور هام في مواقفها تجاه طغاة عصرها كعبيدالله بن زياد ويزيد بن معاوية طيلة اسرهم بالكوفة والشام ومسيرهم الى المدينه المنورة ، فقد اراد الله تبارك وتعالى أن يعطي دورا عظيما لزينب بنت امير المؤمنين بطلة الصبر والإيثار ، مع ان كان الامام المعصوم أعني الامام علي بن الحسين حاظرا في واقعة كربلاء ليظهر مقام المرأة ومنزلتها في الاسلام في المرحلة التاريخية الحساسة ويبين ان المرأة المؤيدة من جانبه تتمكن من إدارة الامور في المقاطع التاريخية الهامة ، إنظروا الاسلام كيف أخرج نساءا ومن هؤلاء النساء زينب الكبرى سلام الله عليها فتجد فيها العلم ، والمعرفة ، في مختلف الفنون والبلاغة والفصاحة التي تنحدر عن لسانها في اعلى درجاتها كأبيها علي بن طالب وامها الصديقة الطاهرة الزهراء سلام الله عليها ، هي عقيلة الطالبيين تقف بكل حماسة وجرءة امام يزيد بن معاوية وهو على تخته وتقول أظننت يا يزيد حيث اخذت علينا اقطار الأرض وآفاق السماء ، أن بك على الله كرامة وبنا عليه هوانة فمهلا فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ، إنظر الى هذه الحماسة المتفجرة على لسان بطلة كربلاء اخت الحسين عمت الابطال الشجعان زينب بنت امير المؤمنين سلام الله عليهم اجمعين ، أعزائي اليوم نحن نحتاج الى نساء عالمات كما كانت العقيلة زينب عالمة ، نحن نحتاج الى نساء خطيبات كما كانت العقيلة زينب فصيحة وبليغة ، نحن بحاجه ماسة الى نساء يضحين بأوقاتهن في سبيل تنشئة الثقافة والمعرفة الاسلامية حتى يتخرجن عالمات عارفات ينفعن مجتمع النساء ، وفي الخاتمة اوصيكم بالتقوى والتجنب من الأشرار تحت راية مولانا صاحب العصر والزمان ، لأن التقوى دار حصن عزيز والفجور دار حصن ذليل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مولد السيدة زينب عليها السلام


 

خطبة الحكيم الإلهي الميرزا عبدالله الحائري الإحقاقي 

٥ جمادي الأول ١٤٤٦هـ


مولد السيدة زينب عليها السلام


بسم الله الرحمن الرحيم

السَّلَامُ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدى، وَمَصابيح الدجى، وَأَعْلامِ التَّقى، وَذَوِى النُّهى، وَأُولِي الْحِجى، وَكَهْفِ الْوَرى، وَوَرَثَةِ الْأَنْبِياءِ، وَالْمَثَلِ الأعلى، وَالدَّعْوَةِ الْحُسنى، وَحُجَج اللهِ عَلى أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ والأولى وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ...

قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)} سورة يونس

صدق الله العلي العظيم


تصادف هذه الأيام السعيدة المباركة من شهر جمادى الأولى الذكرى العطرة لولادة عقيلة أهل البيت عليهم السلام ، السيدة زينب بطلة كربلاء وجبل الصبر والمقاومة ، عالمة غير معلمة ، وفهمة غير مفهمة عليها السلام ، ثاني أعظم سيدة من سيدات أهل البيت المحمدي التي كانت حياتها مملوءة بالفضائل والكرامات العظيمة ، الشخصية التي نزلت تسميتها من السماء ، من قبل الله تعالى .


لمَا وُلدت عليها السلام أقبلت بها أمها الزهراء عليها السلام إلى أبيها أمير المؤمنين عليه السلام وقالت : سَم هذه المولودة !

فقال : ما كُنتُ لأسبقَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان في سفر له ، ولما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسأله علي عليه السلام عن اسمها فقال : ما كُنتُ لأسبقَ رَبِّي ! فهبط جبرائيل يقرأ على النبي السلام عن الجليل، وقال : سَم هذه المولودة زينب ، فقد اختار الله هذا الاسم ، فهذا يدل على عظمتها وسمو منزلتها.

فتحت السيدة زينب الكبرى عليها السلام عينيها في وجه أطهر أنثى على وجه الأرض ، وعاشت معها ليلها ونهارها، وشاهدت من أمها أنواع العبادة، والزهد، والمواساة والإيثار، والإنفاق في سبيل الله، وإطعام الطعام مسكيناً ويتيماً وأسيراً، فنشأت الصدّيقة زينب عليها السلام في بيت النبوة والتنزيل ، وقد غذتْها أمها فاطمة الزهراء عليها السلام بالعفّة والكرامة ومحاسن الأخلاق والآداب، وعلمتها الأحكام ، وأفْرَغَت عليها أشعة من مُثُلِها وقيمها حتى صارت صورةً صادقة عنها.

فلهذا لها كرامات عظيمة لا تعد ولا تحصى ، هذه الشخصية ذات الشأن العظيم والمنزلة الرفيعة ، هي التي سبحانه وتعالى قدر لها عليها السلام في قديم علمه، أن تحفظ له دينه وشريعته بعد شهادة وليّه الإمام الحسين سيد الشهداء عليه السلام .

وهذا لعمري مهام الأنبياء والأولياء، وشأن ذوي العزائم الكبيرة ، من الرَّسل والأولياء ، الذين وكل الله إليهم هداية الناس، الى سبيل الحق ، وحفظهم عن طريق الخلاف وهكذا عملت زينب الكبرى، وقدّر الله لها أن تحمل بين جنبيها عَزَمات الأنبياء ، وجهود العظماء، من الرسل والأولياء، فزودها بكل مازود به صفوته ، من الصبر والثبات ، والشجاعة والجرأة ، والعلم الواسع ، والإيمان الراسخ ، الذى لا تُغيّره العواصف ، فقامت بدورها خير قيام ، في حفظ أسرة الحسين عليه السلام، وباقي الأسر، وكيان الإسلام والدين ، وإهانة الحكومة الأموية ، من خلال خطبها العالية والتأكيد على فضائل أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام ، وأنهم هم الممثلون الحقيقيون للإسلام .

والحقيقة أنه لو لم تكن هناك زينب الكبرى عليها السلام ،بعد واقعة كربلاء لما كان خبر عن الإسلام ، ولا عن الدين والشريعة، فهي أنقذت الإسلام من أيدي الظالمين.

والمشهور بين العلماء والمؤرخين أنّها عالمة غير معلمة، ففي الحقيقة إن علمها عليها السلام علم إفاضة وإلهام من قبل الله تعالى عن طريق أوليائه الطاهرين والأئمة المعصومين عليهم السلام ،  الَّذِين لا يُخيبون من توجّه إليهم ولاذ بهم .

وقد ثبت في التاريخ، أنّ بعض العلماء ، قد أخذوا أكثر علومهم ،من المعصومين عليهم السلام ، مباشرةً بطريق الكشف والإشراق،

ومن الأولى أن تحظى زينب عليها السلام ، بهذه العطيّة ، وهي التي مازالت تنتقل في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة ، من صدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى حجر أمير المؤمنين عليه السلام إلى أحضان الزهراء عليها السلام

، ومع الإمامين الهمامين الحسن والحسين عليهم السلام، وقد تربت وترعرعت في بيت شامخ أحاطه الله بالطّهر والنقاء، ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )) .

من الكرامات التي كان يشير بها العلماء ، والمؤرخون، هي الإستجابة الفورية لدعائها ، وقضاء الحوائج منها عليها السلام .

فهذه الميزة كانت معهودة للأنبياء والأوصياء عليهم السلام في مقام أداء مهمتهم التبليغية ، ودعوة الناس إلى عبادة الله.

وأما أن تتوج زينب عليها السلام بهذه الميزة ، فهذا يدل على عظمتها ، وعلو منزلتها عند الله تبارك وتعالى.

وأما كراماتها الكثيرة ، لزوار قبرها الشريف ، وسرعة استجابتها للمتشفعين بها عليها السلام ، فهذا مما اشتهر في البلدان وأقر به المؤالفُ والمخالف، وكان والدي المعظم آية الله الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي يقول : ( وأحياناً كانت حاجتي تلبى في مضجعها الشريف قبل أن أعبر عن تلك الحاجة).

وهذا العلم اللدني وإضافة على ذلك عصمتها الجزئية ، وولايتها التكوينية المحدودة عليها السلام ، كانت سبباً أن يُحملها الإمام الحسين عليه السلام مقداراً من مهام الإمامة ، أيام مرض الإمام السجاد عليه السلام .

وأوصى إليها بجملة من وصاياه ، وأسرار الإمامة ، وأنابها الإمام زين العابدين عليه السلام نيابة خاصة ، في بيان الأحكام ،

التي تخرج من الإمام عليه السلام ، ولكن باسمها الشريف لتبليغها إلى الناس، مما يستوجب العصمة، وعدم السهو والخطأ .

أعزائي عندما تنظر إلى حياة زينب عليها السلام ، من زوايا مختلفة ، ترى أن لها حق كبير على عاتق الأجيال القادمة، في نشر وحفظ الإسلام المحمدي الصافي، ومنع تحريفه على أيدي غير المستحقين والمسيئين للإسلام .

الحب ، والطاعة ، والولاء والوفاء والتسليم المطلق للإمام عليه السلام ، والصبر على الشدائد والشجاعة ، من الدروس التي ينبغي أن نتعلمها منها ونطبقها في حياتنا.

نحمد الله تعالى أننا تربينا في أُسَر تُدافع عن المظلومين ، وتَقِف في وجه المنكرين والمعاندين ، وتقدّم فضائل أهل البيت عليهم السلام، ومناقبهم للناس كما كانت بقدر الإمكان ، وهي مشروط بشرط وهو توحيد الكلمة والوفاق بين أبناء الجماعة الاوحدية کما قال الله الحكيم (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ))

وهذا الاتحاد محور تدور أعمالنا كُلُّها حوله دائماً  وهو مِنْ تعاليمنا الدينية التي وصلت الينا عن طريق أئمتنا المعصومين عليهم السلام ، وعلمائنا وآبائنا وهو كمركز ثقل لبنية مدرستنا الأوحدية الولائية العلوية ،  وأؤكد أنه أساس هذه المدرسه المباركه .


في الخاتمة نذكر علماءنا الماضين ، منهم جدي المقدس آية الله المعظم ، الميرزا موسى الحائري الإحقاقي، وعمي الأكبر آية الله المعظم الميرزا علي الحائري الإحقاقي ، والإمام المصلح والعبد الصالح آية الله المعظم الميرزا حسن الحائري الإحقاقي ، ووالدي واستاذي آية الله المعظم المظلوم الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي ، والشهداء الأبرار، 

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا

، واجعل عواقب أمورنا خيراً بحق محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين .

كلام حول عصمة الأنبياء (ع) ، والأئمة (ع)

 كلام حول عصمة الأنبياء (ع) ، والأئمة (ع)


إذا أخذنا الآيات المذكورة بظاهرها ، يستلزم أنْ ننسب الخطأ والذنب إلى رسول الله (ص) ، وهذا يتعارض مع أصل عصمة النبي (ص) والإمام (ع) ، وكذلك مع الآيات القرآنية الأخرى ، والدلائل العقلية ، حيث أنَّ نسبة الخطأ والذنب إلى أولياء الله مخالفة للأصول المسلَّمة ، النقلية منها والعقلية ، ومع ماهية العصمة الذاتية فيهم.


وأجمعت الفرقة الناجية الإمامية الإثنا عشرية ، على عدم صدور الذنب والخطأ منهم لعصمتهم الذاتية عنها ، لأنَّ المعصوم من لا يقترف الذنب والخطأ ، كبيره وصغيره.


وللإستدلال والتوضيح ، نعرّف مادة «العصمة» لغوياً ، ثم نورد الأدلة على عصمة الأنبياء والأئمة (ع):


  • تعريف العصمة والمعصوم:

العصمة في اللغة : بمعنى المنع والحفظ . قال علماء اللغة : «عصم الله فلاناً من المكروه : حفظه ووقاه».


وفي مصطلح علماء الإمامية : «العصمة ملكة ربانية تمنع من فعل المعصية ، والميل إليها ، مع القدرة عليها».


فالمحصل من التعريف أن المعصوم : من لا يرغب في ارتكاب الذنب ، ولا يميل إليه بشكل ذاتي ، مع تمكنه وقدرته عليه ، فهو ليس من لا يذنب فحسب ، بل لا يفكر ولا يخطر بباله ذلك (١).


وهذا مما لا يمكن تصور حصوله حتى من الأشخاص العاديين ، فضلاً عن المعصومين ! 


مثلاً : إنَّ من نشأ وترعرع في أحضان أسرة مؤمنة طاهرة ، لا يقدم على قتل إنسان آخر ، وإن كان قادراً عليه ، بل ولا يسمح لنفسه أنْ يفكر في قتل أحد.


ففي هذه الصورة ، يمكننا القول : إنَّ هذا معصوم عن صفة القتل . وهكذا من تربَّى تربية صالحة ، تشمئز نفسه وذاته ، عن ارتكاب الزنا بالمحصنة ، أو مع المحارم ، وحتى إنه يأبى التفكير في هكذا عمل شنيع ، وإنْ كانت لديه القدرة الجسمية الكاملة لارتكاب هذه الجريمة ، لولا وجدانه الذاتي الحي.


وأمثال هؤلاء كثيرون في المجتمعات البشرية العادية ، وتتوفر فيهم عصمة ذاتية ، بالنسبة إلى بعض الذنوب والمعاصي.


أما الفرق بينهم وبين المعصومين (ع) ، أنَّ الأشخاص العاديين تنحصر عصمتهم في ذنوب معدودة ، محصورة ، مع إمكان خضوعهم لبعض التغيير والتبديل ، بحسب الزمان ، والبيئة ، والمجتمع ، وحتى إمكانية نسخها منهم.


ولكن المعصومين (ع) معصومون بالنسبة إلى جميع الذنوب والمعاصي والخطايا ، ثابتين عليها ، ولا تتأثر عوامل التغيير الزمنية والمكانية فيهم ، تفاعلت صفة العصمة مع أرواحهم ، وقلوبهم ، فهي ملازمة لهم ، غير منفكة عنهم ، حيث قال الله ، عزَّ وجل: {إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ} يعني محمداً وآل محمد، {وَآلَ عِمْرانَ} يعني أنبياء بني إسرائيل {عَلَى الْعالَمِينَ} (١).


ومن البداهة بمكان : إنَّ وجه الإصطفاء هذا ، وسببه يكمن في العصمة الذاتية المتواجدة في الأنبياء (ع) ، والأئمة الطاهرين (ع) ، وبها امتازوا عن الخلق فهم يتمتعون بحصانة تجاه كل أنواع الكفر ، والشرك ، والذنوب الكبيرة والصغيرة ، والخطأ العمدي ، أو السهوي ، أو النسيان ، لأنهم يسقطون من مرتبة الإصطفاء الإلهي بمجرد صدور الذنب عنهم ، ولأنَّ العقل السليم لا يقبل أنْ يصدق أنَّ فرداً يذنب ، ويعصي الله ، عزَّ وجل ، ويكون مصطفى ومقرباً إليه!


ولنا على ذلك أدلة كثيرة ، نذكر بعضاً منها: 

١- إنَّ الله ، تبارك وتعالى ، يأمر عباده بالطاعة التامة ، والمتابعة للنبي (ص) في ما يفعل ، ويأمر في آيات كثيرة ، منها:

( أ ) {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ} (٢).


(ب) {قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّـهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ} (۳).


(ج) {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّـهَ وَ مَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (٤).


( د ) {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} (۱).


(هـ) {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً} (٢).


إنَّ الملاحظ من مجموع هذه الآيات، أنَّ الله ، عز وجل ، أوجب على الناس جميعاً الطاعة التامة ، للرسول (ص) ، بل جعل طاعة الرسول من طاعته ، ومساوية لها.


فإذَن كيف تصح طاعته ، ومتابعته في أقواله وأفعاله ، على فرض صدور الذنب منه ، وعدم عصمته ؟ بل سنتبعه في الخطأ والذنب الصادر عنه ، إن صح الإفتراض!


وإذا افترضنا أنَّ الله ، عزَّ وجل ، أمر عباده بالطاعة التامة ، للنبي غير المعصوم ، ومتابعته - حتى في الذنوب - فإذن يلزم أن يكون الله أمر بالجمع بين الوجوب والحرمة : وجوب الطاعة ، وحرمة المعصية - وهذا يخالف الحكمة الإلهية ، فإنه من المستحيل أنْ يأمر الله عباده بمتابعة الرسول (ص) - وإن كان خاطئاً أو مذنباً - في بعض الآيات ، وفي البعض الآخر منها ، ينهى عباده عن الذنوب والمعاصي ! وهذه تناقض الأخرى ، والله عز وجل ، لا يأمر بالنقيض .


وهنا لا مجال - بحكم العقل - إلا أنْ نختار عصمة الرسول (ص) عن كل خطأ وذنب ، لأنه إذا لم يتصف النبي (ص) بالعصمة ، وكان يجوز الخطأ عليه ، لم يأمر الله الناس بطاعته ومتابعته ، وعندها نجد الأمر بالطاعة المطلقة والمتابعة ، بل جعل أقواله وأعماله أسوة للناس ومنهاجاً ، نقطع بعصمته ، وبراءته من كل خطأ صغر أم كبر ، وسهو ونسيان مؤدّيين للخطأ.


۲- يلزم من الإعتقاد بعدم عصمة الرسول (ص) ، والأئمة (ع) ، وجواز صدور الذنب والخطأ منهم ، القول : بأنهم ـ والعياذ بالله - يطيعون الشيطان ، ويتابعونه ! ذلك أنَّ حقيقة الذنب - والمعصية وماهيتها ، طاعة الشيطان وتنفيذ رغباته ، والقاءاته ومخالفاً ووساوسه ، والذي يطيعه في ذلك ، يكون من حزبه ، ومخالفاً للرحمن ، كما يقول الله ، عز وجل:


{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّـهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ} (۱) ، علماً بأنَّ القرآن يصف أهل البيت (ع) بأنهم حزب الله ، في قوله تعالى: 

{أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّـهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (۲).


٣- يلزم من افتراض صدور الذنب والخطأ منهم ، عليهم الصلاة والسلام ، أنْ يكونوا من «الفاسقين» ، لأنَّ «الفسق» : هو الخروج من طاعة الله ، عزَّ وجل ، والتزام طاعة الشيطان ، وهو ما يحصل بارتكاب الذنوب ، ويترتب على ذلك أنْ لا تقبل شهادتهم ، عليهم الصلاة والسلام ، لأنَّ الله يأمر بـردّ شـهــادة الفاسقين ، في قوله تعالى : {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ} (۱) ، وكذلك في قوله تعالى : {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (۲) .


وبديهي أنَّ ردّ شهادة الأنبياء والأولياء ، يتعارض مع حكمة إرسالهم ، وهذا واضح البطلان ، لأنهم سفراء الله ، عز وجل ، وخلفاؤه على الأرض ، يبلغون ما حملوا من الله إلى البشر ، فيجب على الناس جميعاً الإستماع إليهم ، وتنفيذ أوامرهم ، دون تردد أو سؤال ، لأنَّ في الردّ عليهم ، وعدم قبول أوامرهم ، رفض للوحي ، ولأوامر السماء .


٤- إذا كان النبي (ص) ، والأئمة (ع) غير معصومين ، ويصدر منهم الذنب والمعصية ، وجب على الناس إنكار ذلك عليهم ، من باب (النهي عن المنكر) ، وكذلك إيذاءهم ، وإجراء الحد والقصاص عليهم في بعض الموارد ، ولكن من المعلوم أنَّ إيذاء الأنبياء فعل حرام ومحرم في القرآن ، ومن يقوم بذلك فهو ملعون بقوله تعالى : {الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّـهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} (۳)، وكذلك في الآية الشريفة : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّـهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً} (٤)


وعندما نرى أنَّ الله ، عزَّ وجل ، ينهى عن إيذاء الرَّسول (ص) ، ويشدد على ذلك ، نعرف بالضرورة أنهم (ع) ، لا يعصون الله ، ولا تصدر منهم الذنوب ، ليستحقوا بذلك الإيذاء ، والقصاص ، والحد!


٥- إنهم ، عليهم السلام ، على فرض ارتكابهم الذنوب والمعاصي ، لا يستحقون منزلة النبوة والإمامة ، لأنَّ مسؤولية النبي والإمام : منع الناس عن الخطأ والذنب ، وإرشادهم إلى طاعة الله ، عزَّ وجل ، والابتعاد عن وساوس الشيطان .


وكيف يمكن أنْ يبعث الله ، عزَّ وجل ، من يمنع الناس عن الذنوب والمعاصي ، وهو يرتكبها ، وتصدر منه؟! 


وفي هذا القول إساءة إلى الله ، عزَّ وجل ، وتعارض لحكمته وعدله.


والحال ، إنَّ الله يصرّح في القرآن الشريف بأنَّ عهد النبوة والإمامة لا يناله الظالمون ، وذلك عندما أخبر الله سبحانه إبراهيم (ع) بإمامته ، بقوله تعالى : {إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً} ، قــال إبراهيم (ع) طالباً تلك المنزلة لذريته : {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} ، فأجابه الله ، عز وجل ، بقوله : {لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (۱)


وعندما نجد أنَّ الله ، عزَّ وجل ، شرَّف نفراً من الناس ، برتبة النبوة والإمامة ، نفهم أنه لا يصدر عنه أي نوع من الظلم ، والذنب ، والخطأ ، وإنْ لم يكن كذلك ، وصدر أو يصدر منه الذنب ، لما فُضّل بهذه الفضيلة ، والمنزلة .


وواضح من هذا كله ، أن الذنوب والمعاصي تتنافى ومنزلة النبوة والرسالة ، وأنَّ بعث الأنبياء والرسل ، وجعل الأئمة بعدهم ، كل ذلك من أجل هداية الناس إلى سواء السبيل ، وعمل الخير وتحصيل الثواب ، ونهيهم وردعهم عن الذنوب والمعاصي ، وهذا لا يتماشى مع ارتكابهم مثل ذلك ، وفي هذه الفرضية اجتماع للنقيضين ، وهو محال ، ولا يمكن للإنسان العاقل أنْ يتصور فيهم مثل ذلك ، إلا أن يكون ناقص العقل ، أو يكون في قلبه مرض. 


وإذا أثبتنا بالأدلَّة المذكورة «عصمة الأنبياء ، والأئمة ، عليهم الصلاة والسلام» ، عن الخطأ والذنب ، وحتى السهو والنسيان ، لا بدَّ أنْ نذكر تأويل أهل البيت (ع) ، للآيات القرآنية ، التي تدل في ظاهرها على صدور الذنب والمعصية منهم ، سلام الله عليهم ، لنقف على المقصود الحقيقي من تلك الآيات المغايرة لظاهرها ، ومن الله التوفيق وعليه التكلان: